نساء تنغير يحيين "لفديت" بروحانية وجماعية

نساء تنغير يحيين "لفديت" بروحانية وجماعية
في مساء وادع من أمسيات إقليم تنغير في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، حيث تمتد الواحة ذاكرة خضراء محاطة بالصمت الجبلي المهيب، تتشكل حلقة النساء ببطء في المركب الديني والثقافي وسط المدينة. تجلس نساء أغلبهن مسنات في انتظام دائري محكم، وسبحات أو حصيات صغيرة تتحرك بين الأصابع بإيقاع يشبه نبضا جماعيا يتكون تدريجيا. تُشتق لفظ "لفديت" لغويا من الفعل "فدى"، بما يحمله من معنى التحرر والاستخلاص.
خلفية وسياق
يتميز طقس "لفديت" النسائي في واحات تنغير بالتداخل بين الذكر الأمازيغي والقيم الصوفية والاجتماعية، مما يجعله صمام أمان لحفظ الذاكرة الواحية وتوطيد العلاقات بين النساء. تبرز إحدى المقدمات (تفقرين نلفديت) زينبة حمدي بوقارها الذي يختصر روح المجلس، تقول "نجلس هنا نذكر الله ونصلي على رسوله ﷺ، وندعو لأنفسنا وللمؤمنات والمؤمنين بالهداية والصلاح". يضفي هذا الكلام العفوي على المجلس أجواء من الروحانية والصفاء، ويظهر ما تحمله أولئك النسوة من شحنات السكينة تعينهن على الحياة.
الأبعاد الاجتماعية والثقافية
تندرج عادة "لفديت" في هذه المنطقة ضمن الذكر الجماعي ذي الأبعاد الروحية والاجتماعية والهوياتية الأصيلة والمتجذرة عبر الزمن. تحرص النسوة في الأحياء والدواوير على الاجتماع كل يوم جمعة للذكر، تؤثث فضاء البيوت التقليدية ابتهالات وأدعية وأمداح نبوية. يؤكد الأستاذ الباحث والمتخصص في تراث الجنوب المغربي الدكتورمولاي أحمد رضا شمولية هذا الموروث في حديث، إذ يبرز أنه لا يقتصر على كونه عملا تعبديا بالمعنى الضيق، بل يشكل نظاما متكاملا يجمع بين البعد الديني-الصوفي القائم على "التزكية والتحلية"، والبعد الاجتماعي المتمثل في توطيد العلاقات، والبعد الثقافي الرامي إلى حفظ الموروث وإحياء الذاكرة الواحية في مواجهة رياح العصرنة.
تأثير "لفديت" على المجتمع
يتجاوز أثر "لفديت" حدود الذكر ليمتد إلى عمق الواحات كصمام أمان للقيم الأصيلة. تبرز النساء هنا حاميات أساسيات لهذا الموروث، ينقلنه من جدة إلى حفيدة بسلاسة تضمن بقاء الذاكرة حية. ويبرز البعد الاجتماعي في دعائهن الصادق للوالدين والأسلاف كما في قولهن: "دولي خلف ربنا، وديت جامل والدينين" (هؤلاء من خلفنا يا ربنا، فاجعل الإحسان والجميل يحيط بوالدينا). ويضيفمولاي أحمد رضا "إنها تأكيد للتميز المحلي لمنطقة تنغير، حيث توفر متنفسا ودعما معنويا للنساء للحديث عن هموم التربية والمرض وتقديم النصيحة، مما يخلق شبكة تضامن إنسانية تتجاوز الفوارق الاجتماعية والمادية".
الاستمرار والتفاؤل
مع اقتراب نهاية المجلس، يختم اللقاء بتلاوة ما تيسر من القرآن والدعاء الجماعي للمرضى والموتى، حيث ترفع النساء أيديهن بيقين يلامس السماء، مرددات: "لا إله إلا الله إسراري وهني.. يسررت الباطن للوى موجود ربك" (لا إله إلا الله هي سري وهنائي.. أسرار الباطن تؤكد حضور الله في كل شيء). ينسحب الحضور بهدوء، تاركين خلفهم أثرا من الطمأنينة يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية، شاهدين على حضور المرأة حاملة للموروث وناشرة للسكينة في الفضاء العمومي. ويتطلع المستقبل إلى استمرار هذا التقليد الجماعي الذي يلعب دورا محوريا في تآلف المجتمع وحل النزاعات العائلية أو القبلية، مع أمل في أن يبقى هذا الموروث حيا ومتجددا عبر الأجيال.






