---
slug: "6urvig"
title: "كابوشينسكي: الصحفي البولندي الذي اختار الصمت في أنغولا"
excerpt: "يعود الصحفي البولندي ريزارد كابوشينسكي إلى بلاد أنغولا، التي شهدت في عام 1975 أحداثًا تسببت في انهيارها، ويفكك سيكولوجية الخوف في الحرب، والمأزق الأخلاقي للصحفيين حين يضطرون للتخلي عن الحياد واختيار الصمت لإنقاذ البشر."
category: "general"
imageUrl: "https://cdn.hatrek.co/imgs/a9457db262ef15d1.webp"
readTime: 3
---

في ربيع عام 1975، لم يكن الصراع في أنغولا مجرد صراعًا محليًا، وإنما كان انعكاسًا لانقسام العالم، حيث تحولت البلاد إلى رقعة شطرنج دامية تُصفى عليها حسابات القوى العظمى وصراعها على الموارد والأيديولوجيا. كانت لواندا، عاصمة أنغولا، المدينة الرئيسية التي شهدت إنهيارًا تاريخيًا فقدت فيها الحياة معناها التقليدي.

وسط هذا المشهد المروع، برز الصحفي البولندي **ريزارد كابوشينسكي** ليكتب شهادته في كتاب "يوم آخر من الحياة"، موثقًا لحظة انهيار تاريخي. دخل كابوشينسكي لواندا في آن واحد، ليس كمراقب، بل كشخص يختار الصمت، حيث وجد حالة نفسية جماعية سريالية أطلق عليها السكان اسم "الكونفوزاو". لم يكن هذا المصطلح يعبر عن مجرد فوضى أو انعدام للأمن، بل كان "توهاناً مطلقاً" ومرضاً نفسياً معدياً يجتاح الحشود.

كانت لواندا، حينما دخلها كابوشينسكي، مدينة تُدار بقوانين أو مؤسسات، وإنما كانت مدينة تُحكم بالكونفوزاو، حيث تختلط الحقائق بالأكاذيب، وينهار التمييز بين الصديق والعدو، ويتسلل الشك إلى القلوب في دوامة من التيه. كان ذلك الوقت قد أصبح ملكًا للعشوائية والخوف، حيث لم يعد بإمكان أحد التمييز بين الحقائق والأكاذيب، ولا بين الصديق والعدو.

تجسد هذا الانهيار مادياً على أرصفة ميناء لواندا، حيث نشأت ما أسماها كابوشينسكي بـ"المدينة الخشبية". كانت أشبه بمقبرة لأحلام المستعمرين؛ متاهة من آلاف الصناديق الضخمة المصنوعة من خشب الصنوبر والأرز. هناك، حزم البرتغاليون المغادرون حيواتهم الكاملة وأثاثهم وذكرياتهم في مزيج من اليأس والغضب، محاولين انتزاع كل شيء معهم.

تلاشت لواندا واحتضرت ببطء؛ أولاً اختفت الشرطة، ثم تبعها رجال الإطفاء، فجامعو القمامة، وأخيراً المستعمرون الذين أغلقوا الأبواب وودعوا بيوتهم الأفريقية، تاركين العاصمة تغرق في نفاياتها وخوفها الوجودي. كان الصراع الذي مزق أنغولا داخليًا خالصًا غير موجود، بل كان انعكاسًا لصراع القوى الكبرى على الموارد والأيديولوجيا.

في لواندا، تجمع "الحركة الشعبية لتحرير أنغولا" (MPLA) ذات التوجه الاشتراكي الماركسي، والمدعومة بقوة من الاتحاد السوفيتي وكوبا، لتحقيق سيطرة على النفط وتأسيس دولة مساواتية. في المقابل، وقفت "الجبهة الوطنية" (FNLA) و"الاتحاد الوطني" (UNITA)، وهما فصيلان مدعومان من الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا، بهدف فرض سيطرة رأسمالية، والاستحواذ على مناجم الماس، ومنع التمدد الشيوعي في القارة.

في هذا السياق، دخل كابوشينسكي العاصمة لواندا كصحفي، ولكن سرعان ما وجد نفسه أمام تحدي كبير: متى يتوقف عن كونه مراقباً ليصبح مشاركًا؟ كان التهديد المتمثل في غزو جنوب أفريقيا لأنغولا يمثل محاولة صريحة لتصدير نظام الفصل العنصري، وهو ما رآه كابوشينسكي تهديداً للقارة بأكملها.

في هذه اللحظة، اتخذ كابوشينسكي قرارًا أخلاقياً بكسر حياده المهني، واختار الصمت التام. تخلى عن "السبق الصحفي" لينحاز لمن رآهم أصحاب حق في البقاء، متحولاً من "مراسل محايد" إلى "مقاتل بالكلمة". بل إنه اعترف صراحة باضطراره لاستخدام السلاح في اشتباكات مباشرة دفاعًا عن حياته وحياة من معه.

كان كابوشينسكي يعلم أن وكالة المخابرات المركزية (CIA) تعترض مراسلاته الصحفية، ولكن سرعان ما أدرك أن إرسال برقية تفيد بتدخل كوبا سيعني دفع الولايات المتحدة للتدخل العسكري المباشر، وتوسيع الحرب، وتدمير أنغولا بالكامل. في تلك اللحظة، اختار كابوشينسكي أن يبقى صامتًا، وأن يختار الصمت على سبق الصحفية، حيث كان التهديد المتمثل في غزو جنوب أفريقيا لأنغولا يهدد القارة بأكملها.

كان كابوشينسكي يعلم أن قرارًا بهذا الشكل سيعني أن يكون قد اختار جانبًا، ولكن كان يعلم أيضًا أن هناك جانبًا آخر، كان من الضروري حمايته، وهو أن يكون قد اختار جانبًا يمنح الناس فرصة للبقاء. في النهاية، كان كابوشينسكي قد اختار جانبًا، وهو جانب يمنح الناس الفرصة للبقاء.

في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، أُعلن استقلال أنغولا وسط احتفالات رسمية عارمة، ولكن الصورة لم تكن مكتملة، والانتصار كان مريراً. خرج كابوشينسكي من تجربته بوجه لم يعد يعرفه؛ وجه شخص شهد فناء الأيديولوجيات الطوباوية وبقاء الجوع. كان كابوشينسكي قد اختار جانبًا، وهو جانب يمنح الناس الفرصة للبقاء.

في النهاية، كان كابوشينسكي قد اختار جانبًا، وهو جانب يمنح الناس الفرصة للبقاء.
