العسكرة في إيران تتعاظم بعد صعود آية الله مجتبى خامنئي

صعود العسكرة وتراجع التيار المعتدل الديني
في5 مايو 2026 أعلن مجلس الخبراء عن تعيينآية الله مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية، في خطوة جاءت عقب اغتيالآية الله علي خامنئي وتحت وطأة ضغوط عسكرية وإقليمية متصاعدة. يأتي هذا التعيين في وقت تتعاظم فيهالعسكرة الإستراتيجية داخل مؤسسات الدولة، بينما يتلاشى تدريجيًاالاعتدال الديني الذي كان يمثل جسرًا بين النظام الثوري والمجتمع الدولي.
المشهد السياسي الإيراني اليوم يشبه سفينةً تقودها عواصف متلاطمة؛ فقد تحولتالقوة العسكرية، وعلى رأسهاالحرس الثوري، إلى فاعلٍ اقتصادي وسياسي لا يُستغنى عنه. وفي المقابل، تراجعت الأصوات المعتدلة التي سعت إلى فتح قنوات دبلوماسية مع الغرب، لتصبح مجرد ذكرى لحقبةٍ أُهمل فيها التوازن بينالاقتصاد والأمن.
جذور الصراع بين العسكرة والاعتدال
الفشل الاقتصادي والعودة إلى العقوبات
منذ توقيعالاتفاق النووي في عام 2015، شهدت إيران فترات من الانفراج الاقتصادي، لكنتجدد العقوبات في السنوات الأخيرة أعاد إلى الساحة حجة المعتدلين القائلة بأن الانفتاح الدبلوماسي هو السبيل للخروج من العزلة. ومع ذلك، فشل هذا النهج في تحقيق الاستقرار، ما أدى إلى تآكل الثقة في التيار المعتدل.
التهميش المؤسساتي بعد انتخابات 2021
بعد انتخابات2021، بدأت عملية"الهندسة السياسية" التي أدت إلى استبعاد رموز معتدلة منمجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام. هذا التهميش ساهم في تعزيز سيطرةالجهات الأمنية وتوسيع نطاق تأثيرها داخل الجهاز الحكومي.
تحول مفهوم الشرعية
كانت الشرعية في السابق تستند إلىصندوق الاقتراع ونتائج الانتخابات، لكن مع تصاعد التهديدات الخارجية، انتقلت إلى"الشرعية الثورية" التي تستند إلى الولاء المطلق للقيادة الدينية والقدرة على الصمود أمام ما وصفته القيادة بـ"الاستكبار العالمي".
اغتيال القائد السابق وتعيين المرشد الجديد
حادثة اغتيالآية الله علي خامنئي في مارس 2026 شكلت صدمة كبرى للنظام، لكنها أيضًا أظهرت مدى جاهزيةالجناح الصلب للسيطرة على المشهد الداخلي بسرعة. تم اختيارآية الله مجتبى خامنئي كمرشد أعلى في اجتماع سري لمجلس الخبراء، ما يعكس تحالفًا وثيقًا بينالقيادة الدينية الشابة والمؤسسات الأمنية والعسكرية.
> "إن اختيار المرشد الجديد يضمن استمرارية المسار الاستراتيجي الذي يضع الأمن القومي فوق كل اعتبار"، صرح أحد المحللين داخل الدوائر الحاكمة دون ذكر اسمه.
هذا الاختيار ليس مجرد انتقال سلمي للسلطة، بل هو تتويج لسنوات منالتقارب بين الفقهاء العسكريين والقادة الأمنيين، مما يرسخ مفهومالعسكرة كحكم داخل هيكل الدولة.
التحديات الاقتصادية والاجتماعية في ظل العسكرة
أزمات المعيشة وتفاقم الفقر
على الرغم من سيطرةالعسكرة على الساحة السياسية، إلا أنالأزمة الاقتصادية ما زالت تتفاقم. ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وتفاقمت مشكلةنقص السلع الأساسية، ما أدى إلى تزايد الاحتجاجات الشعبية في بعض المدن الكبرى مثلطهران ومشهد.
ضغط المجتمع المدني والتقنين الثقافي
تزايدت القيود علىالمؤسسات الثقافية والجامعات، حيث تم إغلاق عدد من الفعاليات الفنية التي تُعَدّ منبراً للآراء المعتدلة. كما شهدتالمجالس الدينية صراعات داخلية بين الفقهاء المتشددين والوسطاء الذين يحاولون الحفاظ على مساحة للحوار.
آفاق المستقبل: نحو "دولة أمنية ثورية"
مع ترسيخالعسكرة الإستراتيجية وتراجعالاعتدال الديني، يتجه النموذج الإيراني نحو ما يُسمى بـ"الدولة الأمنية الثورية". في هذا الإطار، تُستبدلالسياسة التنافسية بـ"الإدارة الأزموية" التي تركز علىالحكم العسكري والسلطة الدينية المطلقة.
احتمالات التوازن بين الأمن والاستقرار الاجتماعي
يبقى السؤال الرئيسي: هل ستتمكن القيادة الجديدة من موازنةمتطلبات الأمن القومي معضرورات الاستقرار الاجتماعي في بيئة متوترة إقليمياً؟ تشير بعض الدراسات إلى أن الاعتماد المفرط علىالعسكرة قد يولد هشاشة من القاعدة إذا لم تُعالج الأزمات المعيشية بفعالية.
توقعات دولية وإقليمية
من منظور دولي، يراقبالولايات المتحدة وحلفاؤها عن كثب تحولات القيادة الإيرانية، وقد تستجيب بزيادة الضغوط الاقتصادية أو بتعزيز الدعم لأطراف معارضة داخل البلاد. في الوقت نفسه، تسعىروسيا والصين إلى استغلال الفجوة السياسية لتوسيع نفوذهما في المنطقة.
مع استمرارآية الله مجتبى خامنئي في توجيه "سفينة الدولة" عبر أمواجٍ متلاطمة، فإن مستقبل إيران سيُحدَّد بمدى قدرة الجناح العسكري على تقديم حلولٍ اقتصادية واجتماعية، أو بحدوث تحولٍ جديد قد يعيد للـ"اعتدال الديني" فرصةٍ للعودة إلى الساحة السياسية.





