هل حان وقت بريطانيا للانعتاق من الاعتماد الأمريكي؟

تشير تقارير بريطانية حديثة إلى أن لندن تقف عند نقطة تحوّل دقيقة، حيث لم يعد الركون إلى التحالفات التقليدية كافيا لضمان أمنها واستقرارها. بين مراجعة العلاقة مع واشنطن والتحذيرات من هجمات إلكترونية واسعة النطاق، تتشكل ملامح مرحلة جديدة تتطلب من بريطانيا تعزيز قدراتها الذاتية وبناء مقاربات أكثر استقلالا في التعامل مع التحديات العالمية.
حذر الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون من أن بريطانيا لم تعد قادرة على التعويل على ما يُعرف بـ"العلاقة الخاصة" مع واشنطن لضمان أمنها. وقال إن أول من صاغ مصطلح "العلاقة الخاصة" هو السياسي البريطاني الراحل ونستون تشرشل في عام 1946، ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا اتسمت العلاقات البريطانية الأمريكية بفترة "فريدة" من التعاون الوثيق في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد والثقافة.
لكن روبرتسون -الذي يتولى حاليا رئاسة لجنة العلاقات الدولية والدفاع بمجلس اللوردات البريطاني- يلفت إلى أن وصف هذه العلاقة بـ"الخاصة" أصبح قديما وغير مفيد. وفقا له، فإن التحولات التي طرأت على سياسة الولايات المتحدة، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترمب، كشفت عن تباينات متزايدة، سواء عبر اتخاذ قرارات عسكرية دون التشاور مع لندن أو فرض قيود اقتصادية على الحلفاء، مما يدل على وجود فجوة استراتيجية متنامية في علاقة البلدين.
أكد روبرتسون أن هذه التغيرات ليست ظرفية، بل تعكس توجها استراتيجيا أعمق داخل الولايات المتحدة نحو الانكفاء والتركيز على المنافسة مع الصين، مما يعني تقليص الالتزامات تجاه أمن أوروبا. وأضاف أن هذا الواقع يفرض على بريطانيا إعادة تقييم اعتمادها العسكري على واشنطن، والذي أفرز "عقلية تبريرية" سمحت بإهمال قدراتها الدفاعية الذاتية.
حذر روبرتسون الحكومة البريطانية من ضرورة زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز الشراكات الأوروبية، بما يتيح للقارة لعب دور أكبر داخل الناتو في مواجهة التهديدات الروسية، إلى جانب بناء تحالفات دولية جديدة تحافظ على النظام العالمي في ظل تراجع القيادة الأمريكية.
بالتوازي مع ذلك، يسلط تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية الضوء على تهديد متنامٍ من نوع مختلف، يتمثل في الهجمات السيبرانية واسعة النطاق. نقلت الصحيفة عن ريتشارد هورن، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للأمن السيبراني التابع للحكومة البريطانية، تحذيره من أن بريطانيا قد تتعرض لهجمات "قراصنة ناشطين" على نطاق واسع في حال انخراطها في نزاع، مع ما تشكله من تأثيرات تماثل هجمات "طلب الفدية" الشهيرة ولكن دون إمكانية دفع فدية لاستعادة الأنظمة.
وقد باتت دول قومية باتت الخطر السيبراني الذي تمثله يفوق في تعقيداته هجمات برامج "طلب الفدية" التقليدية، حيث تستغل المهاجمين التطورات في الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الثغرات بسرعة. ويكشف تقرير الغارديان عن تأثيرات هجمات سيبرانية واسعة النطاق على المؤسسات البريطانية، مما يضع بريطانيا في "مساحة بين السلم والحرب"، حيث أصبح الفضاء السيبراني ساحة مواجهة رئيسية.
ومن المفارقات أن التطورات في الذكاء الاصطناعي ستزيد من قدرات القراصنة على اكتشاف الثغرات بسرعة، مما قد يؤدي إلى تأثيرات كارثية على الأنظمة. ويكشف مقال تلغراف وتقرير الغارديان عن صورة متكاملة لتحديات مزدوجة تواجه بريطانيا، فهي من جهة بحاجة إلى الانعتاق التدريجي من الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة وبناء قدرات دفاعية وتحالفات بديلة؛ ومن جهة أخرى، الاستعداد لمواجهة تهديدات سيبرانية متطورة قد تتفاقم في سياق الصراعات الدولية.
وحسب روبرتسون، ينبغي للبريطانيين إعادة تقييم دورهم في النظام الدولي ونيل الذاتية في مواجهة التحديات المتزايدة. وتعتبر هجمات سيبرانية واسعة النطاق تهديدا محتملا لمستقبل بريطانيا، حيث يتطلب الانعتاق التدريجي من الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة وبناء قدرات دفاعية وتحالفات بديلة.











