بعد عام على رحيل زياد الرحباني: إحياء رقمي يثير الجدل

إحياء الإرث الرقمي بعد وفاةزياد الرحباني
في26 تموز/يوليو 2025، ودّع لبنان والعالم العربي الفنان المتعدد المواهبزياد الرحباني، الذي كان رائدًا في تجديد المسرح والكلمة الساخرة. بعد مرور عامٍ على رحيله، لم يتلاشى أثره كما يحدث مع كثيرٍ من الفنانين؛ بل انتقل إلى فضاءٍ جديدٍ خارج خشبة المسرح وأرشيف التلفزيون، حيث تعيدالمنصات الرقمية تقديم أعماله لجمهورٍ لم يره أصلاً، وتحوّل كلماته وسخرياته إلى ظاهرة ثقافية تتداولها الأجيال بسرعةٍ لا سابقة لها.
انتشار المشاهدات على منصات الفيديو
علىيوتيوب، استمرّ مشاهدون من مختلف الفئات في مشاهدة مشاهد من مسرحياته، لا سيما«فيلم أمريكي طويل»،«بالنسبة لبكرا شو؟»،«شي فاشل» و**«نزل السرور»**، لتتجاوز بعض المقاطع700 ألف مشاهدة على قناة واحدة. نظراً لتوزّع الأرشيف بين عشرات القنوات والحسابات، تتشتت نسب المشاهدات بين نسخ متعددة من العمل نفسه، ما يصعّب حساب الحجم الكلي للمتابعين، إلا أن المؤشرات العامة تُظهر تفاعلاً مستمرًا يفوق مئات الآلاف.
الأداء الموسيقي على خدمات البث
لم يقتصر الانتشار على الفيديو فحسب؛ فقد حقق حسابزياد الرحباني علىسبوتيفاي أكثر من118 ألف مستمع شهريًا. أغنية«بلا ولا شي» تجاوزتخمسة ملايين استماع، بينما سجلت«خلص» أكثر منمليونين استماع، و**«شو هالأيام»** تجاوزت1.8 مليون استماع. هذه الأرقام تدلّ على أن الموسيقى التي أبدعها لا تزال تُستَمع في روتين المستمعين اليومي، وتُعيد إحياء الروح الفنية للرحباني في أجيالٍ لم تشهد عروضه الحية.
تفاعل المستخدمين علىتيك توك
علىتيك توك، أعاد المستخدمون تداول مقاطع مختارة من مسرحياته وأغانيه، محوّلين عبارات مثل«مين قال آه يا مدام» أو«ابنك زكي يا ثريا… بس حمار» إلى ردود فعل سريعة على الأحداث الجارية. هذه المقاطع القصيرة تحوّلت إلى لغة تعبيرية يستخدمها الشباب للتعبير عن مواقفهم اليومية، ما يجعل حضورزياد يتجاوز حدود المشهد الفني إلى ساحة الحوار الاجتماعي.
آراء النقاد والكتاب حول الظاهرة
يُشيرالكاتب والطّلال شتوي، مؤلف كتاب«زمن زياد» وصديق الفنان، إلى أن وسائل التواصل لا تصنع حضورًا جديدًا بل تمدّ صلةً طبيعيةً بينزياد وجمهوره. وقال للصحيفة:
> «وسائل التواصل هي الصحيفة التي يرأس تحريرها الجمهور، وإذاعة وتلفزيون الجمهور، بعيدًا عن أي سلطة مؤسساتية؛ فالناس هم من يقررون من تكون له الأولوية».
وأضاف:
> «من الطبيعي أن يظل إنتاجزياد في المقدمة، لأن صوته كان دائمًا ما يتداول بين الناس منذ عقود، وقد استمر ذلك عبر أجيالٍ متعددة».
من جانب آخر، أكدتجنى نصرالله، الإعلامية والكاتبة وصديقةزياد، أن الظاهرة تعود إلى قيمة العمل ذاته قبل ظهور المنصات. وصفت ما يحدث بـ«استخدام اسمزياد وليس العكس»، مشيرةً إلى أن بعض الاستخدامات قد تُشوّه الأعمال عندما تُستَخدم في مشاهدٍ تافهة علىالريلز أوالميم.
لماذا يظلزياد الرحباني صامدًا أمام مرور الزمن؟
تتجلى سرّ استمراريةزياد في أن نصوصه لم تكن مرتبطة بزمانٍ أو مكانٍ محدد؛ بل انتقدت تناقضات الإنسان والمجتمع بلغةٍ ساخرةٍ حادةٍ، تجعل كل جملةٍ قادرةٍ على أن تُقال اليوم كما قيلت قبل عقود. هذا التوافق الفطري مع طبيعةالمقاطع القصيرة جعل أعماله قابلةً للاقتطاع وإعادة التداول، فكل مشهدٍ يحمل فكرةً مكتملةً يمكن أن يتحول إلى محتوى مستقلٍ يُستَخدم في سياقات متعددة.
تأثير الأعمال على صناع المحتوى
لم يقتصر الانتشار على الجمهور العادي؛ بل استغل صناع المحتوى مقاطع من مسرحياته لتوضيح مواقف سياسية أو اجتماعية، معزّزين بذلك رسائلهم بعباراتٍ معروفةٍ ومحبوبةٍ لدى المتابعين. هذا التحول من مادةٍ فنيةٍ إلى أداةٍ تعبيرية يُظهر كيف يمكن للتراث أن يُعاد توظيفه بطرقٍ مبتكرةٍ تخدم الحوار العام.
آفاق المستقبل وتوقعات الاستمرار
مع استمرار نمو عدد المتابعين علىيوتيوب وسبوتيفاي وتيك توك، يُتوقع أن يظلزياد الرحباني محورًا للنقاش الرقمي، خصوصًا وأن الجيل الجديد يكتشف أعماله عبر الخوارزميات التي تُفضِّل المحتوى القابل للتداول السريع. وعلى الرغم من أن المنصات لا تُضيف قيمةً إبداعيةً جديدةً، فإنها تبرز ما كان دائمًا: قدرةزياد على مخاطبة أزمنة مختلفة بصوته الفريد.
في ختام هذا الاستعراض، يبدو أنزياد الرحباني قد تجاوز مجرد كونه ذكرىً تاريخية؛ فقد تحول إلى حضورٍ متجددٍ يعيشه الناس في حواراتهم اليومية، وتستمر المنصات الرقمية في كشف قدرة الإبداع الخالد على الصمود أمام تقلبات الزمن.





