التيار الخلاصي يعيد تشكيل إسرائيل بعد حرب غزة

في دراسة شاملة نشرها الباحث د. صالح النعامي بعنوان"التيار الخلاصي في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى): الخطاب والتأثير"، عبر مركز الزيتونة للدراسات، تحلل الورقة التحوّل الدرامي الذي مرّ به المجتمع الإسرائيلي والسياسي منذ عملية "طوفان الأقصى"، لا على الصعيد الأمني فحسب، بل من خلال صعود"التيار الخلاصي" كمشروع إيديولوجي يُعيد تعريف الدولة والصراع مع الفلسطينيين.
الجذور الفكرية والتحول الأيديولوجي
يشرح النعامي أن هذا التيار لم يعد مجرد تيار ديني داخل "الصهيونية الدينية"، بل هو مشروع أيديولوجي يُنظر فيه إلى حروب إسرائيل ومشاريع الاستيطان على أنها خطوات في "مسار خلاصي" ديني. يرى المؤمنون به أن بناء"أرض إسرائيل الكاملة" وإقامة"الهيكل الثالث" هدفان دينيان لا يمكن تحقيقهما دون سيطرة تامة على الأراضي المحتلة وتحويل الدولة إلى دولة توراتية.
الدراسة تُميز هذا التيار عنالصهيونية العلمانية التقليدية والحركة الحريديّة التقليدية، حيث يجمع بين الأيديولوجيا الدينية اليهودية والعمل العسكري والاستيطاني كأدوات لتحقيق "الخلاص". الجذور الفكرية لهذا التيار تعود إلى حاخامين بارزين:أبراهام إسحاق كوك وابنهتسفي يهودا كوك، اللذين ربطا قيام إسرائيل بالعهود التوراتية، معتبرين أن الحرب ليست مجرد صراع أمني، بل "لحظة خلاصية" تُحقق مصيرًا دينيًا لليهود.
الاختراق العسكري والسياسي
تُبرز الورقة أن التيار الخلاصي لم يكتفِ بتوسيع نفوذه في المجتمع المدني، بل نجح في اختراق مؤسسات الدولة الرئيسية:الجيش، والشاباك، والقضاء، والحكومة. تشير الدراسة إلى أن نسبة ضباط الجيش الإسرائيليين من أتباع هذا التيار زادت من2.5% إلى 40% خلال 30 عامًا، رغم أن وجودهم السكاني لا يتجاوز12%.
الحاخامإيلي سدان، مؤسس مدرسة"بني ديفيد" العسكرية الدينية، دعا صراحة إلى "اقتحام" أجهزة الأمن والجيش، وهو ما تحقق إلى حد كبير. تضم قائمة الضباط البارزين من التيار الخلاصي قادة ألوية استخباراتية، ومسؤولين في إدارة العمليات في قطاع غزة، بالإضافة إلى ضباط في مكتب رئيس الوزراء.
التأثير على السياسة والاستيطان
الدراسة تربط تصاعد نفوذ التيار بقرارات جوهرية تُتخذ في إسرائيل، أبرزها:
- الدفع لضم الضفة الغربية وإلغاء اتفاقيات أوسلو.
- تغيير الوضع في المسجد الأقصى عبر فتح الحواجز وتوسيع الأنشطة الاستفزازية.
- تعزيز الاستيطان في الضفة والخليل، مع هدم منازل الفلسطينيين.
- إعادة هيكلة القضاء لتقليل قيوده على السياسيين والمستوطنين.
الحاخامإسحاق غينسبرغ، الذي صاغ نظرية"الحاجز الأربعاقشوري"، اعتبر أن المؤسسات العلمانية يجب أن تُعاد تشكيلها تدريجيًا لتصبح "توراتية". الجيش، وفقًا للتيار، ليس هدفًا للتدمير، بل أداة يمكن السيطرة عليها لإعادة تعريف الحرب كمعركة "وجودية" تؤدي إلى الخلاص.
تداعيات حرب غزة
الدراسة تُحلل كيف استخدم التيار الخلاصي حرب 2023 لتعزيز نفوذه. بعد العملية، تحوّل الخطاب العسكري الإسرائيلي إلى تفسير ديني، حيث وصف شخصيات مثلبتسلئيل سموتريتش الحرب بأنها "معركة محاربة العماليق" مستندة إلى سرديات توراتية. هذا الخطاب سمح برفع الحدود الأخلاقية لتبريرالإبادة الجماعية في قطاع غزة وتفعيل سياسةالتعذيب الجماعي ضد الأسرى.
الدراسة تُحذر من أن هذا التيار يسعى لتحويل إسرائيل إلى دولة تُطبّق الشريعة التوراتية، ما يعني:
- القضاء على المفاوضات مع الفلسطينيين.
- توسيع الاستيطان في الأراضي المحتلة.
- شرعنة العنف الجماعي باسم الدين.
التداعيات المستقبلية
يرى النعامي أن تصاعد التيار الخلاصي سيؤدي إلى تحولات خطيرة:
- زيادة العدوانية العسكرية ضد الفلسطينيين.
- تعميق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بين العلمانيين والليبراليين من جهة، والدينين





