المسيّرات تُخيف المدنيين: شهادات من غزة وبيروت والسودان

صدى أزيز لا ينقطع يغيّر حياة المدنيين
أظهرتتقارير وكالة بلومبيرغ الأخيرة أن أزيز المسيّرات المتواصل أصبح صوتًا يرافق الحياة اليومية لأكثر من عشرة مدنيين في أربع مناطق صراع رئيسية:غزة، بيروت، السودان، وأوكرانيا. هذه الشهادات، التي جُمعت خلال عام ٢٠٢٦، تكشف أن تأثير الطائرات بدون طيار لا يقتصر على لحظة الضربة، بل يمتد إلى النوم، العمل، وحتى الشعور المستمر بالخطر.
صوت الحرب الحديثة: أزيز لا يعلن عن هجوم
المسيّرات، بفضل انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ التقليدية، انتشرت على نطاق واسع وأصبحت أداةً روتينية تُستَخدم على مدار الساعة. يوضح الخبراء أن هذا التحول يوسع جغرافية الصراع، حيث تصل أصوات الأزيز إلى مناطق لا تشهد مباشرةً مواجهات عسكرية، مما يخلق حالة منالترقب الدائم لدى السكان.
بيروت: ترقب لا ينتهي فوق العاصمة
في العاصمة اللبنانية، يصفعباس السباعي، مستشار في الحوكمة والسياسات العامة، الأزيز الذي يعلو السماء بأنه "صوت لا يعلن عن ضربة، لكنه يبقي الناس في حالة تأهب مستمرة". لا يستطيع السباعي، ولا غيره من سكان بيروت، التمييز بين طائرة مراقبة أو طائرة مستعدة للضرب.
"نسمع الأزيز في الطريق إلى العمل، وفي المكاتب، وحتى خلف النوافذ المغلقة"، يقول السباعي.
يُحاول بعض السكان تخفيف الضجيج باستخدامالموسيقى، سماعات عزل الضجيج، أو أصوات المياه البيضاء عبر الإنترنت، ليس لتقليل الخطر، بل لإيجاد مساحة صغيرة تسمح بالتركيز أو النوم.
كييف: صمت يختلط بصفارات الإنذار
في أوكرانيا، يرويماكس تكاتشينكو، ممثل مسرحي معروف، أن صراخ الإنذارات لم يعد يدفعه إلى الملاجئ كما كان في بداية الحرب الروسية. بعد أربع سنوات من الصراع، أصبحالحرمان من النوم جزءًا من الحياة اليومية، ويعتمد تكاتشينكو على قنوات التليغرام لتحديد ما إذا كان سيبقى في شقته أو يخرج لتصوير السماء من شرفته.
تُشير الوكالة إلى أن المسيّرات الروسية الانتحارية تصدر صوتًا منخفضًا يشبه مرور دراجة نارية، ما يُعطي السكان إشارةً قصيرة على ما قد يسبقها من هجمة. إلا أن كثيرًا ما يصلهم التحذير عبرصفارات الإنذار وإشعارات الهاتف دون أن يروا الطائرة نفسها.
السودان: أرقام مروعة وتكتيك الصمت
في السودان، يُصوِّرمعتز إبراهيم، عامل إنساني في مدينة كوستي، المشهد بأنه "صوت المسيّرات بانتظام يملأ أجواء المدينة، رغم الفقر المدقع". وفقًا لتقاريرالأمم المتحدة التي نقلتها الوكالة، بلغتنسبة الوفيات المدنية بسبب المسيّرات أكثر من ٨٠٪ خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام ٢٠٢٦.
يُشير محامون وناشطون إلى أن بعض الطائرات تحلق بصمت شبه كامل، لا يُدركها السكان إلا عند وقوع الضربة، مما أدى إلى تسميتها بـ"الأشباح". هذه الظاهرة تعمق حالة الخوف وتُصعّب من قدرة المدنيين على اتخاذ إجراءات وقائية.
غزة: صمت محطّم بالأزيز المستمر
في قطاع غزة، تُعَدُّالشاعرة والكاتبة شهد الناعوق صوتًا يُجسّد معاناة السكان تحت وطأة الأزيز المستمر. تقول الناعوق إن صوت المسيّرات الإسرائيلية ظلحاضرًا تقريبًا على مدار الساعة منذ اندلاع الصراع الواسع عقب هجمات ٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣.
تضيف أن القنابل تترك فواصل زمنية قصيرة بين الضربات، بينما لا تُمنح المسيّرات أي فواصل، بل تستمر فيإزعاج الحديث، تشتيت الأفكار، وغمر السمع بصوت لا يتوقف. وتصف ذلك بأنه "الصوت الوحيد… بلا انقطاع ولا فواصل".
خلفية تقنية: لماذا أصبحت المسيّرات سلاحًا مهيمنًا؟
تعود شعبية المسيّرات إلىانخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ التقليدية، وإمكانية تشغيلها عن بُعد دون الحاجة إلى طيارين. كما أن التطورات في تقنيات الاستشعار والاتصالات جعلتها قادرة علىالتعقب الدقيق وتوجيه الضربات، ما يعزز من فاعليتها في الحروب غير المتقلبة.
هذه المميزات دفعت عددًا من الدول إلى توظيفها على نطاق واسع، ما أدى إلىتوسيع ساحات الصراع إلى مناطق حضرية مكتظة بالسكان، حيث يصبح الأزيز جزءًا من الخلفية اليومية للمدنيين.
توقعات مستقبلية وإجراءات محتملة
مع تزايد الاعتماد على المسيّرات، تبرز الحاجة إلىإطار قانوني دولي يحد من استخدامها ضد المدنيين. من المتوقع أن تناقش المنظمات الدولية، بما فيهاالمجلس الأمني، مسألة فرض قيود على الطائرات بدون طيار التي تُستَخدم في مناطق سكنية. كما قد تشهد السنوات القادمة تطوير تقنياتالاستشعار الصوتي التي تساعد السكان على التمييز بين أصوات المسيّرات الحقيقية وتلك التي قد تكون مجرد ضوضاء بيئية.
في النهاية، يبقى صوت الأزيز المتواصلتحديًا إنسانيًا يفرض على المجتمعات المتضررة إعادة تعريف مفهوم الأمان اليومي، ويتطلب استجابة دولية متكاملة لضمان حماية المدنيين من هذا النوع الجديد من الحرب.











