لماذا تستهدف كرات النار الوسطاء في حروب الشرق الأوسط؟

استخدام الضغط غير المباشر في حروب الشرق الأوسط
في ظل التصعيد العسكري المتزايد في منطقة الخليج، تطرح تساؤلات حول تحول أدوات الصراع من مواجهة مباشرة إلى استهداف غير مباشر يستهدف الوسطاء والبنية المدنية. هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والإستراتيجي الأوسع، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال الضغط على الخصوم.
استهداف الوسطاء والبنية المدنية
منذ سبتمبر 2025، حين استهدفتإسرائيل وفدا تفاوضيا لحركةحماس فيالدوحة، أصبح من الواضح أن هناك استراتيجية جديدة لتوسيع نطاق الاشتباك ليشمل الوسيط نفسه. هذا النوع من الاستهداف لا يهدف فقط إلى الضغط على الخصم المباشر، بل يهدف أيضا إلى إضعاف قنوات التهدئة وتحويل الوساطة إلى عبء بدلا من أن تكون جسرا للحل.
إيران تمارس أدوات مشابهة
اليوم، تتجهإيران إلى ممارسات تضع دولا مثلقطر وعُمان، وهما من أبرز الوسطاء في الإقليم الخليجي، ضمن دائرة الضغط والتهديد. هذا التحول لا يمكن عزله عن منطق الصراع المتصاعد، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن نمط يتجاوز الخصومة التقليدية، ليطال بنية التوازن الإقليمي برمتها.
تداعيات استهداف البنية المدنية
استهداف المنشآت الاقتصادية، أو التلويح بضرب المطارات والموانئ والمنشآت والمباني الخدمية المدنية، لا يحمل فقط رسالة عسكرية، بل يعيد تعريف ساحة الصراع لتشمل حياة الناس اليومية واحتياجاتهم، ويجعل الاستقرار نفسه جزءا من معادلة الردع. ومن اللافت أن هذا المسار ليس طارئا أو منفصلا عن تجارب سابقة، إذ تكشف الحروب الأخيرة عن ميل متزايد نحو إدخال المدنيين في قلب الصراع.
تحدي الوساطة في الشرق الأوسط
هذا النمط من السلوك يطرح إشكالية مزدوجة؛ فمن جهة، هو يضعف فكرة الوساطة بوصفها خيارا إستراتيجيا لحل النزاعات، ومن جهة أخرى، يفتح الباب أمام تحويل المدنيين والبنية التحتية إلى أدوات ضغط. ومن منظور خليجي، تبدو هذه التحولات أكثر حساسية؛ لأن دول الخليج لم تكن يوما ساحة مواجهة مباشرة بقدر ما كانت مساحة توازن، تحاول الحفاظ على استقرارها وسط عواصف الإقليم.
الحاجة إلى موقف واضح
في ظل هذا الواقع، تصبح الحاجة إلى موقف واضح أكثر إلحاحا، ليس فقط لحماية المصالح، بل للحفاظ على فكرة الاستقرار نفسها. من هنا، يبرز الخيار الخليجي بوصفه ضرورة لا ترفا؛ خيار يقوم على تعزيز التنسيق بين الدول، وتوحيد الرؤية تجاه التهديدات، مع وضع خطوط حمراء لا لبس فيها.
بناء إستراتيجية طويلة المدى
هذا التنسيق لا يعني التصعيد، بل يعني إدارة الصراع بوعي، بحيث لا يسمح بتحويل دول المنطقة إلى ساحات اختبار لسياسات الضغط. كما أن التوثيق الدقيق لأي سلوك عدواني يصبح أداة مهمة، ليس فقط على المستوى القانوني، بل في بناء سردية تستند إلى الوقائع، وتواجه الخطاب بالشواهد.
مسؤولية الدول
ولا يعود السؤال في نهاية الأمر متعلقا بمن يرفع الشعارات الأكثر حدة، بل بمن يلتزم في فعله بما يدعيه في خطابه. وحين تتقاطع الأفعال، مهما اختلفت الشعارات، فإن الحكم يصبح بيد الواقع، لا بيد الكلمات. وهكذا تبدو المسؤولية مضاعفة على الدول التي ما زالت تراهن على العقل والمنطق، وعلى قدرتها في حماية توازنها من دون أن تفقد توازنها السياسي والإستراتيجي وموقعها في معادلات الإقليم ككل.






