إيران وبحر هرمز: ماذا ينتظر الهند بعد الهجوم على ناقلتين لها؟

تتحول الممرات البحرية الضيقة في أوقات الأزمات إلى مسارح مكشوفة لاختبار موازين القوة وحسابات الخطأ والصواب، ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الممرات بحكم ما يمر عبره يوميا من نفط وغاز إلى الأسواق العالمية، وما يحتويه من مشهد معقد بين الجغرافيا والسياسة والأمن.
وتعكس حادثة إطلاق الإيرانيين النار على ناقلتين هنديتين في مضيق هرمز مؤخرا، توتيرا العلاقة بين البلدين اللذين تجمعهما علاقة توصف بالجيدة، وبين حديث عن "خطأ"، ومحاولة لتجاوز الحادثة، تبحث نيودلهي عن حلول أنجح.
ويغدو أي احتكاك أو خطأ في التقدير داخل هذا المضيق قادرا على إشعال سلسلة من التداعيات تمتد من أسعار الطاقة إلى العلاقات بين العواصم الإقليمية والآسيوية الكبرى، وفي مقدمتها الهند التي تعتمد بشكل واسع على إمدادات تمر عبر هذه البوابة البحرية الحساسة.
وأشارت الصحيفة الصينية إلى أن القوات الإيرانية كانت قد أطلقت النار على ناقلات النفط الهنديتين "جاغ أرناف" و"سانمار هيرالد" في مضيق هرمز، في لحظة أعلنت فيها طهران تشديد السيطرة العسكرية ومنع المرور مؤقتا عبر الممر الحيوي.
وكانت إحدى الناقلتين محملة بنحو مليوني برميل من النفط العراقي ولم تُسجّل إصابات بشرية، بينما أصيبت "سانمار هيرالد" بأضرار طفيفة جراء إطلاق النار.
وجاء الحادث بينما تلقت سفن تجارية أخرى تحذيرات لاسلكية بعدم المرور، ما عكس حالة ارتباك ميداني وتضارب في الإشارات حول فتح المضيق أو إغلاقه.
واستدعت نيودلهي على إثره السفير محمد فتح للتعبير عن "قلقها البالغ" والمطالبة بتأمين مرور السفن المتجهة إلى الهند في أقرب وقت.
ونقلت الصحيفة عن الكاتب المقيم في لندن برياجيت ديبساركار وصفه لما جرى بأنه "حالة كلاسيكية لخطأ في تحديد الهوية"، موضحا أن "المضيق مكتظ بالسفن وأن الحرس الإيراني يتعرض لضغوط هائلة وقد أخطأ في تقدير الموقف بإطلاق النار على السفن الهندية".
وتوصف العلاقات الإيرانية الهندية عادة بأنها "قوية ومتينة"، تستند إلى روابط تاريخية وتعاون عملي في التجارة والطاقة وتطوير ميناء "تشابهار" رغم العقوبات الغربية المفروضة على طهران.
وأوضح ديبساركار أن ما حدث يعكس "غياب التنسيق بين القيادة الإيرانية المدنية والعسكرية أو فشل في السيطرة على أرض الواقع، ولا يرقى إلى حد الرغبة في التصعيد ضد الهند".
ومع ذلك، يذهب المحلل السياسي ياشوانت ديشموخ في الاتجاه ذاته، مؤكدا أن "الوضع متوتر، لكن من المتوقع أن تحاول الهند وإيران الحفاظ على علاقات ودية".
### سبب التوتر
ويفصل الكاتب بيمان موخيرجي بأن الحادثة جاءت في خضم تجاذب أمريكي إيراني حول تسوية تفاوضية، حيث احتجزت الولايات المتحدة سفينة شحن إيرانية متهمة بمحاولة كسر الحصار على الموانئ الإيرانية، فيما تعهدت طهران بالرد واعتبر وزير خارجيتها التهديدات الأمريكية "دليلا واضحا" على عدم صدق واشنطن.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن حصار المضيق أدى إلى احتجاز نحو 13 مليون برميل من النفط وقرابة 300 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال داخل الخليج يوميا، ما أجبر المنتجين على إغلاق حقول ومصافي ومنشآت غاز؛ وألحق ضررا باقتصادات تمتد من آسيا إلى أوروبا.
### مستقبل العلاقة بين الإيرانيين والهنديين
تظهر أهمية المضيق بالنسبة للهند من خلال الإحصائيات التي تشير إلى أنها تستورد نحو 85% من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج، وهو ما دفع أستاذ العلاقات الدولية هارش بانت إلى التذكير بأن نيودلهي "لطالما أكدت على ضرورة استقرار مضيق هرمز"، محذرا من أن "عسكرة المضيق" تفتح الباب أمام "أخطاء في التقدير".
ومع ذلك، ترى الخبيرة بريا واليا أن المسألة تتعلق بـ"تضييق نطاق الإمدادات المتاحة إلى آسيا"، إذ حوّلت "صدمة مضيق هرمز" الإمدادات من "متغير سياسي إلى متغير لوجستي".
فلم يعد السؤال المطروح اليوم هو من يملك الخام فقط، بل "أي تلك البراميل يمكنها أن تتحرك، وبأي تكلفة شحن وتأمين وتفوّق سياسي".
### خفض التصعيد
ومن جانبها، تشير رؤية الدبلوماسي الهندي السابق سريكومار مينون إلى أن حادثة ناقلات هرمز "لا تزال محصورة جغرافيا" ولا تشكل تهديدا مباشرا لجنوب آسيا، لكنها تبرز "تزايد التوتر في المياه المجاورة".
وأشار ديبساركار إلى أهمية وحساسية مضيق هرمز تجعل من مشاركة الهند في مبادرة أوروبية لتأمين المضيق مسارا بديلا أو مكملا للمفاوضات الجارية.
وقال إن "الوضع متوتر، لكن من المتوقع أن تحاول الهند وإيران الحفاظ على علاقات ودية"، واعتبر أن "ضبط النفس الاستراتيجي" الذي تمارسه دلهي سيحدّ من أية تداعيات فورية على العلاقات الثنائية.







