سيناريوهات الصراع الإيراني الأمريكي وتغيير قواعد القوة في النظام الدولي

صراع يتصاعد بينإيران والولايات المتحدة يثير جدلاً استراتيجياً
في خضم تصاعد التوترات بينإيران والولايات المتحدة، نشرت ثلاث مجلات أمريكية مرموقة –فورين بوليسي ونيوزويك وفورين أفيرز – تقارير تحليلية تفصّلت في سيناريوهات المواجهة المحتملة. تناولت هذه التقارير، التي صدرت خلال الأسابيع الأخيرة، أسئلة عسكرية وسياسية واستراتيجية حول مستقبل الصراع، وحدود قدرة واشنطن على توظيف القوة لتحقيق أهدافها في منطقة الشرق الأوسط.
عمليات برية محتملة داخل إيران
يُبرز تقريرفورين بوليسي أن فكرة شن غزو شامل لإيران تبدو غير واقعية في ظل الظروف الحالية، نظراً لحجم التحديات الجغرافية واللوجستية التي ستواجهها القوات الأمريكية. فإيران، بمساحتها الواسعة وتضاريسها المتنوعة، تمتلك قدرات بشرية وعسكرية تمكنها من إطالة أمد أي صراع. كما أن شبكة خطوط الإمداد المعقّدة تجعل تنفيذ عملية برية واسعة النطاق أصعب من التجارب الأمريكية السابقة مثل حرب العراق عام ٢٠٠٣.
يُشير التقرير إلى أن السيناريو الأكثر احتمالاً لا يتضمن احتلالاً واسعاً، بل يقتصر على عمليات برية محدودة تستهدفمواقع استراتيجية أوجزرًا ذات قيمة عسكرية واقتصادية. تُعدجزيرة خرج هدفاً محتملاً نظراً لدورها المحوري في تصدير النفط الإيراني، إلا أن السيطرة عليها قد تواجه هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، ما قد يطيل مدة الالتزام العسكري.
يؤكد خبراء عسكريون سابقون أن الجيش الأمريكي يمتلك القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد مراكز القيادة والسيطرة ومنشآت الصواريخ والاتصالات، لكن التحول إلى حسم سياسي يبقى عقبة رئيسية. فالمشكلة لا تكمن في القدرة على الضرب، بل في تحديدالهدف النهائي للحرب وكيفية الحفاظ على المكاسب العسكرية دون الوقوع في فخ صراع طويل الأمد.
أزمة مضيق هرمز وخيارات واشنطن
يركّز تقريرنيوزويك علىمضيق هرمز باعتباره قلب الصراع، حيث يمر عبره نسبة كبيرة من حركة الطاقة العالمية. يستخدم طهران الممر كوسيلة ضغط استراتيجية لتأثير على الملاحة الدولية. وفقاً للكاتب، تواجه إدارةدونالد ترامب أربعة خيارات رئيسية، كل منها يحمل تكاليف ومخاطر جسيمة.
الخيار الأول يقتصر على توسيع الضربات الجوية ضد المواقع العسكرية الإيرانية. غير أن القصف الجوي لم ينجح في إجبار طهران على تعديل سلوكها، بفضل قدرة طهران على إعادة نشر قواتها واحتفاظها بوسائل ضغط على الملاحة.
الخيار الثاني يتمثل في حماية الناقلات التجارية عبر انتشار بحري أمريكي واسع. إلا أن هذا الخيار يواجه صعوبات تتعلق بقدرة البحرية الأمريكية على الحفاظ على وجود مستمر في بيئة مليئة بالتهديدات الصاروخية واللغارغية.
الخيار الثالث يقترح تنفيذ عملية برية محدودة للسيطرة على جزر أو مناطق ساحلية، لكنه يتطلب قوات كبيرة ودعماً لوجستياً واسعاً، ما قد يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية مرتفعة.
أما الخيار الرابع، فهو العودة إلى المفاوضات كمسار أقل تكلفة، رغم صعوبة التوصل إلى اتفاق نظراً للخلافات العميقة بين واشنطن وطهران حول إدارة المضيق والملفات الإقليمية الأخرى.
تحول قواعد القوة في النظام الدولي
يقدّم تقريرفورين أفيرز قراءة أوسع للتحولات التي كشفتها الحرب الحالية، حيث يرى الكاتبروبرت بيب أن الصراع مع إيران يمثل علامة على انتهاء مرحلة اعتمدت فيهاالولايات المتحدة على تفوقها العسكري لحسم النزاعات بسرعة. يقارن بيب بين حرب الخليج عام ١٩٩١ التي رسّخت صورة القوة الأمريكية المهيمنة، والحرب الحالية التي تُظهر حدود هذا التفوق.
يشير إلى أن انتشار التكنولوجيا العسكرية الحديثة، لا سيماالطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة منخفضة التكلفة، غيّر طبيعة الحروب؛ إذ لم تعد هذه الأدوات حكرًا على القوى الكبرى، بل أصبحت متاحة لدول أقل قوة، ما يمنحها قدرة أكبر على إلحاق خسائر بالخصوم وإطالة أمد النزاعات.
يؤكد بيب أنإيران لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة معالولايات المتحدة لتحقيق أهدافها؛ إذ يمكنها استغلال قدراتها الصاروخية، وشبكة حلفائها الإقليميين، وأدوات الحرب غير التقليدية للتأثير على أمن الملاحة والطاقة العالمية. ويُظهر أن أزمةمضيق هرمز تعكس تحولاً أوسع في النظام الدولي، حيث أصبحت السيطرة على طرق التجارة العالمية عنصرًا أساسيًا من عناصر القوة.
ما هي التداعيات المستقبلية؟
تلتقي التحليلات الثلاثة على فكرة أن المواجهة الأمريكية الإيرانية تجاوزت حدود العمل العسكري المباشر، لتصبح اختبارًا لقدرة القوى الكبرى على تحقيق أهدافها في عالم تتغير فيه طبيعة القوة. لم تعدالولايات المتحدة قادرة على تحويل تفوقها العسكري الهائل إلى نتائج سياسية مستقرة دون مواجهة قيود عسكرية، سياسية، واقتصادية.
تشير التوقعات إلى أن أي تصعيد أمريكي ضدإيران سيظل محاطًا بقيود متعددة، وأن مستقبل الصراع سيتحدد ليس فقط بقدرة أي طرف على توجيه الضربات، بل بقدرته على إدارة نتائجها ومنع تحولها إلى أزمة مفتوحة طويلة الأمد.
في ظل هذه المعطيات، يظل السؤال قائماً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستختار مسارًا عسكريًا مكثفًا أم ستتجه إلى حلول دبلوماسية أكثر تعقيدًا، وكيف سيؤثر ذلك على موازين القوة في النظام الدولي في السنوات القادمة.





