---
slug: "25yf2l"
title: "الخرطوم تشترط انسحاب الدعم السريع: هل تحولت الحرب إلى صراع منسي؟"
excerpt: "الحكومة السودانية ترفض التفاوض مع قوات الدعم السريع وتصفها بمليشيا إرهابية، بينما يستمر التصعيد الميداني وتتصاعد معاناة المدنيين بعد تسعة أشهر من النزاع."
category: "general"
imageUrl: "https://cdn.hatrek.co/imgs/f3d604eb4111ce4c.webp"
readTime: 4
---

## تصعيد الخطاب الحكومي وتناقضاته  

أعلنت **الحكومة الانتقالية** في السودان، برئاسة **عبد الفتاح البرهان**، رفضها التام لإجراء أي مفاوضات مباشرة مع **قوات الدعم السريع**، مصنفة إياها بـ«**مليشيا إرهابية**» و«**مرتزقة**». جاء هذا القرار في ظل استمرار الاشتباكات على الأرض وتفاقم الخسائر البشرية منذ اندلاع القتال في أبريل/نيسان 2023. في الوقت نفسه، أكدت الإدارة الانتقالية استعدادها للانخراط في مبادرات إقليمية وعالمية لوقف إطلاق النار، ما أثار تساؤلات حول مدى التناسق بين الموقف الأمني الصارم والفتح السياسي المعلن.  

## رأي الإعلام في التناقض الحكومي  

أشار **فتحي أبو عمار**، رئيس تحرير صحيفة «الوسط» السودانية، إلى أن الخطاب الرسمي يحمل تناقضاً واضحاً بين تصنيف الخصم كمنظمة إجرامية ومطالبة بالحوار معه. ووضح أبو عمار في حديثه مع قناة الجزيرة أن شرط الانسحاب الكامل من جميع المدن يُعد «إملاءات بمنطق القوة» ولا يمكن اعتباره حلاً واقعياً أمام قوة تمارس سيطرة ميدانية على أكثر من نصف أراضي السودان. وأضاف أن تحقيق السلام يتطلب «حواراً عادلاً وتنازلات حقيقية» بعيداً عن الاعتماد على «حسم عسكري غير متاح».  

## آراء الخبراء حول الشروط والمسار السلمي  

من جهته، رفض **الرشيد محمد إبراهيم**، أستاذ العلاقات الدولية، وصف الحكومة للمطالب بأنها «معرقلة». واعتبر إبراهيم أن هذه المطالب هي «مطالب وطنية» تتماشى مع حق الدفاع الشرعي عن النفس ضد تمرد عسكري يخل بالقوانين. وأشار إلى أن الحكومة أظهرت نوايا صادقة للسلام من خلال تجاوبها مع «منبر جدة» ومبادرات مجلس الأمن، مشدداً على أن **قوات الدعم السريع** قد تآكلت داخلياً وفقدت إرادة القتال بعد ارتكابها مجازر واسعة في الفاشر والجنينة.  

في السياق نفسه، حذر **بول إيجيمي**، خبير الشؤون الأفريقية والاتحاد الأفريقي، من أن التمسك بالمواقف الصلبة وتبادل الاتهامات بالإرهاب لا يخدم مسيرة السلام. وأوضح إيجيمي أن النزاعات الأهلية لا تُحسم على ساحة القتال فحسب، بل عبر مفاوضات مرنة تستند إلى حسن النية وتنازلات متبادلة. كما أشار إلى أن تعثر مبادرة «إيغاد» والاتحاد الأفريقي يعود جزئياً إلى انشغال القوى الدولية بأزمات أخرى، ما يزيد من خطر تحول الصراع السوداني إلى «**حرب منسية**».  

## تطورات ميدانية على محور طريق الصادرات  

في خطوة استراتيجية، أعلن الجيش السوداني عن سيطرته الكاملة على **طريق الصادرات** القومي، الذي يربط العاصمة **الخرطوم** (عبر أم درمان) بمدينة الأبيض. جاء ذلك عقب استعادة سيطرتهم على سلسلة من المدن والبلدات الحيوية على هذا المحور، من بينها بارا، جبرة الشيخ، أم سيالة، جريجخ، وأم قرفة. وقد اعتبر المسؤولون العسكريون أن هذه الانتصارات الميدانية تمهد لفرض شرط خروج **قوات الدعم السريع** من المدن وتخليها عن السلاح كشرط أساسي لتمهيد أي حل سياسي.  

## خلفية النزاع وتداعياته الإنسانية  

اندلع القتال في السودان في أبريل/نيسان 2023 عقب خلاف حول دمج **قوات الدعم السريع** في القوات المسلحة النظامية. ساءت الأوضاع بسرعة لتتحول إلى صراع شامل شمل العاصمة **الخرطوم** ومناطق شاسعة من البلاد. وفقاً للبيانات المتاحة، فقد أسفر النزاع عن مقتل آلاف الأشخاص وإصابة مئات آخرين، إلى جانب نزوح أكثر من مليون سوري إلى مخيمات داخلية وخارجية. كما تدهورت البنية التحتية للطرق، المستشفيات والمدارس، ما زاد من معاناة السكان الذين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والدواء.  

## آفاق المستقبل وإمكانية حل النزاع  

يبقى السؤال الأساسي ما إذا كان الطرفان قادرين على تجاوز مواقفهما المتجمدة والجلوس إلى طاولة الحوار. يرى كثير من المراقبين أن أي حل سلمي يتطلب تخلياً عن «**السقف المطلق للمطالب**» وإبداء مرونة حقيقية من كلا الجانبين. وفي هذا الإطار، قد تشكل المبادرات الإقليمية، مثل «منبر جدة» ومبادرة «إيغاد»، منصة لتبادل الضمانات وتحديد جدول زمني واضح لسحب الميليشيات من المناطق الحضرية.  

في ظل تصاعد الضغوط الدولية وتزايد الدعوات إلى وقف إطلاق النار، قد يصبح من الضروري تشكيل لجنة وساطة سودانية-إفريقية مستقلة تكون مهمتها مراقبة تنفيذ أي اتفاقيات مستقبلية وضمان عدم عودة العنف. إن نجاح هذه الجهود سيعتمد على قدرة **عبد الفتاح البرهان** على تقديم تنازلات ملموسة، وعلى استعداد **قوات الدعم السريع** إلى الاعتراف بأخطائه وإعادة دمج عناصرها في القوات الوطنية.  

إن المستقبل لا يزال غير مؤكد، لكن ما يبرز بوضوح هو أن استمرار العنف سيؤدي إلى مزيد من الانقسام وتدهور الأوضاع الإنسانية، بينما فتح باب الحوار الحقيقي قد يضع أسساً لسلام دائم يضمن استقرار السودان وإعادة بناء دولته على أسس ديمقراطية وشاملة.
