كيف أعادت الحرب في السودان دور الموانئ السودانية إلى شريان حيوي للتجارة والسفر

تحول الموانئ إلى شريان حيوي في ظل الحرب
دخلتحرب السودان عامها الرابع، وتجاوزت آثارها الأولية خسائر تقدر بـ2.7 مليار دولار لتطال كل القطاعات الاقتصادية، ولا سيما قطاع النقل. في خضم الانقطاع الجوي المتكرر وتوقف الرحلات الجوية لفترات طويلة، برزتالموانئ السودانية كأهم وسائل الربط بين الشعب والاقتصاد، لتتحول من مجرد مراكز تجارية إلى شريان حيوي لسفر الركاب ونقل البضائع.
ميناء عثمان دقنة: صدارة تصدير الثروة الحيوانية
يُعدميناء عثمان دقنة أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. صرحالكابتن طه محمد أحمد، مدير الميناء، أن الميناء يساهم بنحو14٪ من إجمالي واردات وصادرات السودان، ما يعكس أهميته في حركة التجارة الخارجية. قبل اندلاع الصراع، كان حجم الصادرات الحيوانية من الميناء لا يتجاوز1.2 مليون رأس سنوياً؛ إلا أنه ارتفع إلى5 ملايين رأس خلال عام 2023، ما جعله محوراً أساسياً لتصدير المواشي إلى الأسواق العالمية.
إلى جانب ذلك، لعب الميناء دوراً استراتيجياً في نقل الركاب، حيث ساهم في إجلاء عدد كبير من الأجانب خلال فترات القتال، واستمر في العمل دون انقطاع، معززاً بذلك تدفقالإيرادات والنقد الأجنبي إلى الخزانة العامة عبر الخط الملاحي المتصل بميناءجدة السعودي.
ضغط متزايد على البنية التحتية نتيجة توقف الطيران
مع إغلاق المطارات لفترات طويلة، أصبحميناء عثمان دقنة المنفذ الرئيس للسفر الخارجي، ما أدى إلى تضاعف عدد الرحلات البحرية والضغط التشغيلي على صالات السفر. ارتفع عدد الركاب من نحو100 ألف في 2022 إلى310 آلاف في 2023، ثم استقر تقريباً عند200 ألف في 2024، ما يزال أعلى من المعدلات الطبيعية. هذا الارتفاع السريع استدعى تحسين خدمات المناولة، تنظيم الأمتعة، وتطوير تجربة المسافرين لتلافي الازدحام وتلبية الطلب المتزايد.
ميناء بورتسودان: العمود الفقري للتجارة البحرية
في السياق ذاته، يظلميناء بورتسودان الركيزة الأساسية للتجارة البحرية في السودان. يقدر الخبير الاقتصاديهيثم فتحي طاقته التشغيلية بـ1.3 مليون حاوية سنوياً، إلا أن الاستخدام الفعلي لا يتجاوز20٪ من هذه القدرة، نتيجةً للازدحام وتأخر عمليات الشحن والقيود على السعة التخزينية.
يُعَد الميناء بوابة رئيسية لدول حبيسة مثلإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، لكن تعاني من ضعف الربط بشبكات السكك الحديدية والطرق، إضافة إلى نقص المناطق الحرة ومراكز إعادة التصدير التي قد تعزز من دوره كمنصة لوجستية إقليمية.
تحديات هيكلية وتقنية تعيق الكفاءة
تشير تحليلات الخبراء إلى أن مشكلاتالموانئ السودانية تتجاوز تداعيات الحرب لتشمل ضعفاً هيكلياً في البنية التحتية واعتماداً على معدات قديمة وتقنيات تقليدية. هذا النقص يقلل من قدرة الموانئ على المنافسة مع الموانئ الإقليمية، ويجعلها عرضة لتقلبات السوق وتغيّر سياسات الشحن العالمية.
كما يفتقر الميناء إلى ربط فعال معشبكات السكك الحديدية والطرق السريعة، ما يحد من تدفق البضائع ويزيد من تكاليف النقل الداخلي. وتفتقر معظم الموانئ إلى مناطق حرة ومراكز إعادة تصدير، ما يحرم السودان من فرص تحويل مواقعه الجغرافية إلى مركز لوجستي إقليمي.
فرص بديلة وشراكات استراتيجية
يُظهر الخبراء أن موانئ أخرى مثلبشائر وأوسيف يمكن أن تُستغل كبدائل استراتيجية، شريطة إقامة شراكات استثمارية وتكنولوجية مع جهات إقليمية ودولية. وقد أبرمتموانئ سواكن اتفاقيات سابقة مع دول مثلتركيا وقطر لتطوير البنية التحتية، ما يدل على اهتمام دولي متزايد بالموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر.
في مارس/آذار الماضي، وقعميناء بورتسودان مذكرة تفاهم معميناء مرسين التركي، تهدف إلى تعزيز التعاون اللوجستي وتبادل الخبرات الفنية، في خطوة قد تُسهم في رفع كفاءة عمليات التفريغ والتحميل.
تأثير الحرب على ثقة شركات النقل البحري العالمية
صرّحعلاء الدين محي الدين، مسؤول في قطاع الخطوط البحرية السودانية، أن النزاع أدى إلى تراجع ثقة الشركات البحرية العالمية في التعامل مع الموانئ السودانية، حيث اعتبرت المنطقة ضمنحوض البحر الأحمر منطقة حرب. أدى ذلك إلى زيادة تكلفة التأمين على السفن وتصنيف المنطقة ضمن مناطق المخاطر، ما دفع بعض الشركات إلى تقليل عملياتها أو التوقف عنها بالكامل.
مع ذلك، أشار محي الدين إلى أن بعض الشركات ما زالت تعمل في الموانئ، مدعومة بجهود إعادة تأهيل الأرصفة وصيانة الرافعات الجسرية، إضافة إلى شراكات مع شركات خطوط بحرية دولية لتقليل المخاطر وتحسين عمليات التخليص الجمركي.
توقعات مستقبلية وإصلاحات قادمة
تتطلعهيئة الموانئ إلى تحسين الأداء خلال السنوات القليلة المقبلة، خاصةً بعد إقرار موازنة عام 2026 التي تتضمن استثمارات لتوسيع السعة التخزينية وتحديث المعدات. من المتوقع زيادة عدد السفن والحاويات الواردة، وتحسين تدفق الصادرات والواردات، ما سيساهم في رفع نسبة الاستخدام الفعلي للمنشآت إلى مستويات أقرب إلى طاقتها القصوى.
آفاق جديدة للموانئ السودانية
تكشف تجربةالموانئ السودانية خلال الحرب عن مفارقة واضحة: فقد أصبحت شرياناً لا غنى عنه للاقتصاد والحياة اليومية، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة تهدد كفاءتها واستدامتها. ومع تصاعد المنافسة الإقليمية والدولية على المواقع الاستراتيجية للبحر الأحمر، يصبح من الضروري إعادة التفكير في دور هذه الموانئ ليس فقط كمرافق خدمية، بل كأصول استراتيجية يمكن استثمارها لإعادة تموضع السودان على خريطة التجارة العالمية.
إن نجاح هذه الرؤية يعتمد على تنفيذ إصلاحات هيكلية، جذب استثمارات تكنولوجية، وتعزيز التعاون الإقليمي، ما قد يفتح باباً لتحويلالموانئ السودانية إلى مركز لوجستي إقليمي يربط القارات ويعزز النمو الاقتصادي المستدام للبلاد.











