أوروبا في معركة قيم.. اليسار ويمين المتطرف يتنازلان على مستقبل القارة

تعيش أوروبا في عهد معقد، حيث تتعارك قوى اليسار واليمين المتطرف على مستقبل القارة، وتحاول هذه القوى الحصول على مواقف متوازنة من قضايا الإنسان اللاجئ والشعب الفلسطيني، وكيف ستزود اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل من شأنه أن يحدد مصيرها. وفي هذا السياق، انعقدت قمة تقدمية في برشلونة، فيما احتشد في ميلانو تجمع لمن هو يتبنى اليمين المتطرف.
قال خبراء وأعضاء سياسيون في أوروبا إن ثمة قناعة مشتركة تتردد في أروقة هذه المرحلة: ما يجري في أوروبا ليس مجرد تنافس انتخابي، بل معركة قيم حقيقية يتشكل على أرضيتها مستقبل القارة وموقفها من الإنسان اللاجئ، ومن الشعب الفلسطيني تحت الحصار، ومن اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل التي باتت محل مراجعة صارمة.
في هذا الإطار، جمعت مدينة برشلونة الإسبانية السبت الماضي نسخة رابعة من "القمة التقدمية الدولية" التي تحمل عنوان "دفاعا عن الديمقراطية"، في حين كانت مدينة ميلانو الإيطالية تستضيف في اليوم ذاته تجمعا مقابلا لقادة اليمين المتطرف الأوروبي، وكأن الجغرافيا السياسية قررت أن تكتب مشهدها الأكثر دلالة على هذا الانقسام الحاد.
وقال رئيس جمعية أصدقاء الشعب الفلسطيني في مدريد عيسى الصويص في تصريحات خاصة للجزيرة نت: "ما حدث في المجر وسقوط أوربان يدل على أن خطاب ترامب في طريقه إلى الاندثار، بينما خطاب بيدرو سانشيز يتجه نحو الصعود". ويذهب الصويص إلى أن "الشعوب الأوروبية بدأت تنظر إلى رئيس الوزراء الإسباني كأنه القيادي الذي يمثلها".
لم تكن إسبانيا مرشحة لأن تتزعم موجة اليسار الأوروبي، فما تزال تحمل في ذاكرتها جروح الأزمة الاقتصادية والتوترات الانفصالية الكتالونية، ومع ذلك، أثبت رئيس الوزراء الحالي أنه قادر على الحكم حتى في القضايا الأكثر إشكالية.
وقال الدبلوماسي السويدي السابق آن ديسمور في تصريحات خاصة للجزيرة نت: "هناك متغيرات جارية في علاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل". وذكر ديسمور أن "عددا متزايدا من سكان الاتحاد الأوروبي يعارضون الانتهاكات الإسرائيلية المنهجية والممتدة منذ زمن طويل لحقوق الإنسان في فلسطين".
ومن جانب آخر، وقفت المستشارة السابقة في مجلس مدينة ميلانو عفاف عبد القادر من أجل إعادة تعريف الأدوات ومنهج العمل الذي يلزمه اليسار الأوروبي حتى يتحول من أقلية حسنة النوايا إلى أغلبية فاعلة.
اليسار الأوروبي: هل يتحول من البيانات إلى التصويت المنسّق؟
القضية الفلسطينية: معيار لمصداقية القيم الأوروبية
إعادة تعريف الأدوات والمنهج لليسار الأوروبي
إسبانيا سانشيز: نموذج لليسار الأوروبي في مواجهة اليمين المتطرف
ومن زاوية أخلاقية، ينظر الأكاديمي الفرنسي ريموند إلى أن "مواضيع الهجرة والقضية الفلسطينية أحدثت شروخا في الطبقة السياسية الأوروبية"، وأن اليسار لن ينعكس تأثيره على السياسة الخارجية الأوروبية بصورة مؤثرة "إلا إذا كان قد أعاد إثبات نفسه عبر بلورة سياسات فاعلة يمكن قياس تقدمها في كل هذه الموضوعات".
وبذلك، يبدو أن اليسار الأوروبي يمتلك اليوم زخما لم يكن له قبل سنوات قليلة، لكن هذا الزخم ليس كافيا ليصبح أغلبية إلا إذا توفرت له القدرة على الانتقال من مجرد الإعلان والخطابات إلى الفعل الملموس والمستدام.







