مستقبل اقتصاد السودان يتراوح بين التراجع والتعافي

مقدمة
حذرت منظمة الأمم المتحدة من أن استمرار الحرب في السودان قد يعيد الاقتصاد السوداني إلى الوراء، مع ارتفاع الفقر المدقع إلى أكثر من 60% واتساع دائرة الحرمان على نطاق غير مسبوق. وفقا لتقرير مشترك مع معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا، فإن السودان خسر ما يقدر بنحو 6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي في 2023 وحده، بينما انزلق نحو 7 ملايين شخص إضافي إلى الفقر المدقع خلال عام واحد.
الخسائر الاقتصادية
بلغ الناتج المحلي الإجمالي 32.4 مليار دولار في 2023 بعد انكماش نسبته 12% مقارنة بالعام السابق، وسط تضخم قياسي بلغ 360% في 2021 قبل أن يظل مرتفعا عند 170% في 2024. كما وصل الدين العام إلى نحو 148% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2024. يعني هذا أن حرب السودان لم تضرب النمو الاقتصادي فقط، بل استنزفت قدرة الأسر على الإنفاق، وعمقت أزمة السوق والعمل والإنتاج، وضيقت هامش الدولة في تمويل أي استجابة اقتصادية أو اجتماعية.
سيناريوهات اقتصادية
استعرض التقرير الأممي 3 سيناريوهات اقتصادية وإنسانية لتطور الأوضاع في السودان. يتوقع في سيناريو المسار الأساسي أن يحقق السودان متوسط نمو اقتصادي لا يتجاوز 1.2% بين 2024 و2043، وهو معدل أدنى بكثير من متوسط البلدان الأفريقية منخفضة الدخل. أما إذا استمرت الحرب حتى 2030، فإن حجم الاقتصاد السوداني سيكون في 2043 أقل بنحو 34.5 مليار دولار مقارنة بسيناريو غياب النزاع، بينما سيتراجع نصيب الفرد بنحو 1700 دولار.
الكلفة الاقتصادية للحرب
تظهر الكلفة الاقتصادية للحرب بوضوح أكبر في القطاعات المنتجة، وعلى رأسها الزراعة التي ما تزال تشكل العمود الفقري للاقتصاد السوداني. فالقطاع يشغل نحو 65% من قوة العمل، ويعتمد عليه جزء واسع من السكان في الدخل والغذاء، لكن الحرب أدت إلى تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية 46% في 2023 بسبب النزوح، وصعوبة الوصول إلى المدخلات الزراعية، وتدمير البنية التحتية الزراعية، وتعطل العمل في مناطق رئيسية مثل دارفور وكردفان والجزيرة.
الخسائر في الصناعة والبنية الأساسية
تتسع الخسائر في الصناعة والبنية الأساسية كذلك، وحسب التقرير فإن مناطق الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان تمثل مركز الثقل الصناعي في السودان. كما أن الحرب عطلت النشاط الصناعي فيها على نطاق واسع، مع تقديرات بتدمير نحو 90% من القطاع الصناعي في بعض المناطق بحلول نهاية 2023. كما لحقت أضرار بالطرق والجسور والمطار ومرافق الطاقة، وقدرت كلفة إعادة بناء البنية الأساسية بين 300 و700 مليار دولار.
الوضع الإنساني
يخرج من هذا الانهيار الاقتصادي الوجه الإنساني للأزمة، فحسب التقرير، فإن 45% من سكان السودان كانوا يعيشون تحت خط الفقر المدقع في 2023، أي نحو 22.8 مليون شخص، بعدما عادت البلاد إلى مستويات فقر تتجاوز ما سجلته في ثمانينيات القرن الماضي. وأما في حال تحقق سيناريو استمرار الحرب حتى عام 2030، فإن نسبة الفقر المدقع سترتفع إلى 60% من السكان، أي نحو 52 مليون شخص، مع دخول 34 مليون شخص إضافي دائرة الحرمان مقارنة بمسار كان يفترض غياب النزاع.
فرص التعافي
رغم قتامة المشهد، يرى التقرير أن التعافي الاقتصادي للسودان ما يزال ممكنا إذا توقف النزاع واقترن ذلك بإصلاحات متسلسلة في الحوكمة والزراعة والصحة والتعليم والبنية الأساسية والتجارة والتدفقات المالية. وفي سيناريو "السودان الصاعد" حيث تتعافى كل القطاعات المذكورة سابقا، يمكن أن يصل الناتج المحلي الإجمالي للبلاد إلى 58.2 مليار دولار بحلول 2043، مع تسارع متوسط النمو إلى 5%، وانتشال 17.3 مليون شخص من الفقر المدقع، وزيادة متوسط العمر المتوقع بـ 4.2 سنة.











